ابن عجيبة
369
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكّرهم بالنعم ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 25 إلى 27 ] لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ( 25 ) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 26 ) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 27 ) قلت : ( ويوم حنين ) : عطف على ( مواطن ) ، أو منصوب بفعل مضمر ، وهذا أحسن ؛ لأن قوله : ( إذ أعجبتكم كثرتكم ) خاص بيوم حنين . انظر : ابن جزى . يقول الحق جل جلاله ، في تذكيرهم بالنعم : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ أي : في مواقف الحرب ومداحضها في مواضع كثيرة ، وَ نصركم أيضا يَوْمَ حُنَيْنٍ ، وهي غزوة كانت بعد فتح مكة ، متصلة بها ، في موضع يقال له : حنين ، سمى باسم رجل كان يسكنه ، وهو واد بين مكة والطائف ، حارب فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون ، وكانوا اثنى عشر ألفا : عشرة آلاف من الذين حضروا فتح مكة ، وألفان انضموا إليهم من الطلقاء ، قاتلوا هوازن وثقيف ومن انضم إليهم من قبائل العرب . وكانوا ثلاثين ألفا ، فلما التقوا مع بعض المشركين قال بعض المسلمين : لن نغلب اليوم من قلة ، إعجابا بكثرتهم ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فأدرك المسلمين إعجابهم ، واعتمادهم على كثرتهم ، فانهزموا حتى وصل جلهم إلى مكة ، وبقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مركزه ، ليس معه إلا عمه العباس ، آخذا بلجامه ، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث ، وناهيك شهادة على تناهى شجاعته صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال للعباس - وكان صيّتا - : صح بالناس ، فنادى : يا عباد اللّه ، يا أصحاب الشجرة ، يا أصحاب سورة البقرة ، فكروا عنقا واحدا ، يقولون : لبيك لبيك ، ونزلت الملائكة ، فالتقوا مع المشركين ، فقال - عليه الصلاة والسلام - : هذا حين حمى الوطيس « 1 » ، ثم أخذ كفا من تراب فرماهم ، وقال : شاهت الوجوه ، ثم قال : انهزموا وربّ الكعبة ، فانهزموا « 2 » .
--> ( 1 ) الوطيس : حفرة تحتقر تحت الأرض ، فتوقد فيها النار ويصغّر رأسها ، ويخرق فيها خرق للدخان . ثم يوضع فيها اللحم ، ويسد ، ثم يؤتى من الغد واللحم غاب لم يحترق ، ولحمها شواء ، وهي مجاز في شدة الحرب . ( 2 ) أخرجه بنحوه مسلم في ( الجهاد - باب غزوة حنين ) من حديث سيدنا العباس رضى اللّه عنه .